السيد محمد حسين فضل الله
150
من وحي القرآن
المصير ، ولذلك فإنهم انفتحوا في النهاية على اللّاشيء في المسألة الجدّية من الفكر والواقع . ولعلّ في التعبير بقوله : كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ بعض الإيحاء بأن الموحّدين المؤمنين هم الأقليّة التي صبرت على الفكر الذي يفرض جهد التأمّل ، وعمق البحث ، وانفتحت على الحقيقة من موقع المعاناة الطويلة القاسية ، وصبرت على الثبات في ساحة المبادئ وتمرّدت على كل تهاويل الأشباح ، حتى استقرت في مواقع التوحيد وفي آفاق العبادة الخاشعة بين يدي اللّه . * * * الاستقامة على الدين سلامة للمصير وإذا كانت الأقلّية هي التي تلتزم الحق في الإيمان - غالبا - فإن المعنى الكامن في ذلك أن الأكثرية لا تمثل المقياس الدقيق للحقيقة فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ البليغ الاستقامة ، الذي لا عوج فيه لأنه يبدأ من توحيد اللّه ليستمر ، فيستقيم في خط اللّه على هدى وحيه وشريعته ، مما يجعل من الانتماء إليه ، والالتزام به ، وإقامة الذات في كل تطلعاتها وخطواتها في اتجاهه ، القاعدة الصلبة التي تنطلق منها سلامة المصير . فذلك هو وحده الفرصة الوحيدة والطريق الوحيد للخلاص ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ لأن إرادة اللّه قضت بأن يحشر الناس إليه في يوم القيامة ، فلا يستطيع أحد أن يردّه ، لأنه - سبحانه - لا يريد أن يردّه من جهته ، يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ فيصابون بالتصدع والتمزق والتفرّق ، فيذهب كل واحد إلى حيث أراد اللّه أن يذهب في خط مصيره ، فلا يبقى لهم من مجتمعهم الذي كانوا يجتمعون فيه ويلتقون على